هذا المقال ذكرني بواقعة حصَلتْ لي مؤخرا مع صديق عزيز علي. فقد أخبرني هذا الصديق وهو بالمنسابة ليس حديث عهد بالإلحاد أنه أصبح يعتكف في بيته وأنه لا يغادره إلا إلي عمله ليعود بعد ذالك مباشرة إلي بيته ويغلقه عليه ويبدأ في تدخين السجائر ودخول مواقع ومدونات الملحدين وغرف دردشتهم ويعتمد علي أخيه أو أخته في إحضار ما يحتاجه من الخارج. وهو يقول أنه أصبح يكره لقاء المتدينين المحيطين به من أقربائه وأصدقائه، وكلهم متدينين، ويتفاداهم بجميع الوسائل لما يسببونه له من متاعب وإحراج وما يستلزمه تواجده معهم من أشياء لا يطيقها، وهو يلخص حالته هذه بالقهر. أشفقت عليه جدا ولست أخفيكم أنني لست بأفضل حالا منه من ناحية الأوضاع المحيطة بي ولكني أتدبر أمري في لقاءاتي حتى أني استطعت أن أجد تقبلا لتهاوني بالفرائض في محيط أصدقائي ولكني لا أصل معهم حد المعتقدات إلا ما نَدَرَ. المهم، حزنت علي حاله جدا فالرجل لا يحتمل أن يتوجه له أحدهم بأمر ب"معروف" أو نهي عن "منكر" وهذ من حقه التام لولا أنه في مملكة الجهل والخرافة، مملكة الرمال كما يسميها بن كريشان ولا يحتمل أن يزعجه شخص بدعاء أو قرآن أو موعظة وليست لديه جاهزية لمرافقة أحدهم إلي صلاة الجماعة رياءً إذا ما حان وقتها من أجل تفادي تهمة الكفر أو التهاون في تطبيق فرائض رب المغارب، وهو محاط بجيوش من المطاوعة الملتحين ودعاة الهمجية والتخلف والعنصرية المقيتين.
هل اكتملت الصورة؟ لا وألف لا لم تكتمل بعد فليس من رأي كمن سمع وليس من عاش كمن رأي. تصورتُ سيناريوهات مختلفة لخروجه من أزمته، فكرت في أنه من الممكن أن يهاجر ويترك وطنه لينعم ببعض الحرية في بلاد الحرية واحترام كرامة الإنسان وبدا لي هذا المخرج مناسبا جدا خصوصا وأنه لا يُتَصور رجوع الرجل عن قناعاته وتقهقره إلي سجن الإيمان بعد أن تبين له زيفه كما لا تبدوا في الأفق، أفقِهِ هو علي الأقل، بوادر فجر جديد ينقشع به ظلام الإسلام وتخلفه وهمجيته وتنفك به سيطرة رجال الدين المتعصبين عن رقاب المواطنين المساكين.
لكن قراءتي للمقال سالف الذكر جعلني أفكر في أمر آخر:
هل يجعل الإلحاد الإنسان أكثر غما وحزنا وهل من الممكن أن يدفعه إلي الانتحار؟
إن هذا هو حال جل الملحدين العرب فهم تربوا في مجتمعات لا تعترف بالغير المختلف عنها ثقافيا ولا تقدره بل وتحتقره وتصفه بأفظع الشتائم والأوصاف. لكم أن تتخيلوا مصير أي مؤمن يوضع بين أناس يبغضونه ويكرهون إيمانه وعقيدته ويصفونه بالخنزير والكلب ويسعون إلي قتله والنيل منه ويضَيِقون عليه كل سبل عيشه؟؟ ألن يلبس هذا المؤمن حزاما ناسفا ويفجره في أعدائه من الكفرة الفجرة مخلصا نفسه من هذا العذاب وذاهبا إلي لقاء الله والحور العين؟
نفهم من هنا السبب الرئيسي الذي يجعلنا في بعض الأحيان نسمع أو نقرأ عن ملحدين أصيبوا بالاكتئاب والحزن أو انتحروا، رغم أن أغلب تلك الروايات ملفقة تلفيقا غبيا من أجل النيل من الإلحاد، فليس السبب في غمهم وحزنهم إلحادُهم وإنما محيطهم وجيرانهم هم من كانوا السبب وهم كذالك من سيصفق للنتيجة ويقول انظروا ماذا فعل به البعد عن الله ومحجته البيضاء وكيف أغواه الشيطان بقتل نفسه نعوذ بالله من شر الإلحاد والزندقة!!. كان علي سليمان بن صالح الخراشي قبل أن يكتب عن إسماعيل أدهم والذي انتحر في مياه المتوسط كان عليه أن يكتب عن الكثير من المؤمنين الذين ينتحرون ليس في مياه المتوسط في ظلام الليل وإنما يفجرون أنفسهم في وضح النهار وسط الأبرياء في الأسواق الشعبية في العراق وباكستان وأفغانستان.
المراسل دانييل بيرل لحظات قبل إعدامه
حاولت في مقالك يا سليمان اللعب علي وتر فقدان أدمغتنا وعقولنا وكيف أن الإلحاد تسبب في جعلنا نخسر فتي في مقتبل عمره موهوبا في العلوم والرياضيات ولكن هذه الصفة ويا للسخرية تنطبق أكثر علي الأفراد الموهوبين الذين يغرر بهم لينضموا إلي الجماعات الإرهابية ويلقوا بأنفسهم في متاهاتها والمحير أن نجد دعاة الإرهاب الهمجي يتباهون بكونهم دفعوا مهندسين ودكاترة مثل محمد عطا وغيره إلي الانتحار وإفناء حياة الآخرين بدون أن يرمش لهم جفن، هذا ولا تعليق من جانبك حضرة الكاتب.
كذاك كان عالم المنطق والرياضيات واضع نظرية النمط وصاحب مفارقة راسل الشهيرة، الأديب الراحل الحائز علي جائزة نوبل في الآداب برتراند راسل وكذالك يكون العالم الحائز علي نوبل الفيزياء ستيف وينبرغ، نعم يا سليمان ربما لم تسمع بلانس أرمسترونغ بطل سباق الدارجات الهوائية أو بأنجلينا جولي أو حتي ببيل غيتس صاحب شركة مايكروسوفت منتجة نظام التشغيل ومتصفح الانترنت الذي تعمل عليه علي الأرجح وصاحب إحدى أكبر الجمعيات الخيرية التي تعمل في مجالات مختلفة.
مقالك مليء بالغباء المنقطع النظير يا سليمان وفارغ من المحتوي فلا نجد فيه سوي التحذير من مغبة سماع الرأي الآخر وضرورة البقاء فيما وصفتَه أنت بأنه السياج الذي أقامه السلف الصالح وهذه وقاحة منقطة النظير واعتراف مجمل بأن الدين ما هو إلا ادعاءات لا دليل عليها ويلزم لمن أراد البقاء فيها الحذر من كل فكر مخالف ومن كل رأي مغاير يكون من شأنه لا محالة تبديد وهم الإله وجلاؤه. ليس من شأن الإلحاد دفع المرء إلي الانتحار بل العكس هو الصحيح، الإلحاد لا يعد الإنسان بحياة أخري ولا بجنة ولا نار بل يجعله يعتقد أن هذه هي الحياة الوحيدة التي لديه وأنه محظوظ بكونه يعيشها بدل الملايين الآخرين وعليه الاستفادة منها قدر إمكانه وهذا بالنسبة لي كاف ليصرف المرء عن التفكير في الانتحار أما من يؤمن بجنة تأتيه تحت ظلال السيوف ومن يلقن تلقينا أنه يجب أن يحب الموت أكثر من الحياة فلا يمسكه عن "الانتحار المشروع" إلا حبه للحياة المناقض النابع مما قد يسميه البعض فطرة علي حب الحياة بناها التطور فينا لتجعلنا أصلح للبقاء من الكائنات التي عرضت حياتها للخطر واختفت واختفي نسلها إثر ذالك. فالدين، والحالة هذه، أتي يناقض حب الحياة المبني فينا من أجل البقاء. أضحكني تقسيم السلف للعلوم كما أوردته وفيه أن الفلسفة وعلم الكلام من العلوم الضارة أما الهندسة والصناعة فهي علوم مباحة وعلي رأس هذه العلوم العلم الشرعي، يا سلام!! هذا من جهل السلف الصالح يا سليمان فعلوم الهندسة والصناعة لا تستقيم بدون علوم المنطق والفلسفة، أما العلم الشرعي فلا أعرف ما شأنه حتى يوضع علي رأس العلوم! (هذه المشكلة موجودة في صميم اللغة العربية وهي عدم وجود مقابل لكلمة ساينس فنقول العلم ونسمي الفقه الشرعي علما كذالك) ثم ماذا تقصد بعلم السحر؟؟؟ هل هو علم جديد لم نسمع به من قبل؟ وما هو علم التنجيم؟ أنا لم أسمع قبل مقالك الموقر هذا تقسيما للعلوم إلي علوم ضارة وأخري نافعة أرجوا أن تدقق في مصطلاحتك مستقبلا. وقد صدقت إذ قلت: والموفق في هذا التقسيم من وفقه الله، فالله حتما لم يوفق الأكاديميات العلمية المحترمة له.
قطعة بالمناسبة
عجبت لشأن غلاة البشر***يريدون من يلحــــــــدون بِشَر
يريدون منا عبادة رب*** غريب الصفات غريب الصور
ألم يعلموا أننا ملحـــدون ***فلسنا بـــــــأي إلــــــه نقــــــــر
وأنا الذين عرفنا الطريق*** وكـــــــــانت براءتنا في الزبر
لم تكتمل بعد
رابط المقال سالف الذكر































قد تقولون، يا هذ أليس من المبالغ فيه تصور أن من تخافهم سينجحون في أخذ مقاليد الحكم والسيطرة علي الأوطان وطرد أو تسفير من يخالفهم؟ أقول لا شك أنهم استطاعوا الي الآن تحقيق مكاسب لا يستهان بها وأصبحت الأنظمة تهادنهم وتجاريهم في ما يريدون خوفا من بأسهم ومكرهم ولا خلاف أيضا علي أن تزايد نفوذهم في البرلمانات مؤخرا وتعدد تشكيلاتهم السياسية والتي تتوحد في الهدف المنشود يطرح كل تلك التساؤلات عن مصير مخالفيهم إن استمرت الشعوب المخدرة في منح الشرعية اللازمة لهم وتقديم الدعم المعنوي واللوجيستي


أنا شخصيا بعد أن تعلمت القراءة أصرت والدتي علي ألا أدخل المدرسة حتي أكمل حفظ القرآن وهو ما لم يكن إذ عارض والدي الامر ولم أتمكن إلا من حفظ ثلاثة أرباعه ودخلت المدرسة بعدها مباشرة. ربما كان للتعليم القرآني أثر كبير في تشكيل شخصيتي آنذاك وكان لتشجيع معلمي لي في المحظرة أثره أيضا. تمكنت من حفظ القرآن في سنتي السادسة من التعليم الأساسي أو الابتدائي ودرست نظم بن عاشر وهو في فقه مالك بن أنس وفي العقيدة الأشعرية وأبجديات التصوف علي طريقة الجنيد. وكذالك ككثير من أقراني درست النحو وغالبا يدرس الصغار متن الاجرومية أو عبيد ربه والبعض 







